السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
124
مفاتيح الأصول
إليه مع أن التأخير لا يسقط التكليف به وبالجملة لا مانع من جعل الشارع وقت الفعل موسعا مع أمره بالإتيان به في أول الوقت وجوبا وفائدة التوسعة حينئذ أن المكلف لو أخر عن أول الوقت أثم به ولكن يكون مؤديا للفعل في آخره وقد أشار إلى هذا بعض المحققين ومنها قوله تعالى فاستبقوا الخيرات إذ لا ريب في أن فعل المأمور به منها فيجب الاستباق إليه للأمر به وإنما يتحقق بالإتيان به فورا وفيه نظر لأن الآية الشريفة لا يمكن العمل بظاهرها فإن المندوبات من الخيرات ولا يجب الاستباق إليها فلا بد من حمل الأمر بالاستباق على الندب لا يقال تخصيص الخيرات وإخراج ما لم يجب الاستباق إليه من المندوبات وبعض الواجبات أولى لأن التخصيص أولى من المجاز لأنا نقول هذا التخصيص يستلزم إخراج أكثر أفراد العام وهو غير جائز ومنها الرّواية المشهورة إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم لأن الفاء الجزائية تفيد التعقيب بلا مهلة كالتي للعطف وفيه نظر أمّا أولا فلضعف الرّواية سندا وأمّا ثانيا فللمنع من إفادة الفاء الجزائية الفور وأمّا ثالثا فلأخصيّتها من المدعى لدلالتها على وجوب المسارعة إلى أمر الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم ولا يمكن دعوى الإجماع المركب لوجود القائل بالفصل وقد يجاب عن الأول بجبر السند بعمل الأصحاب فإنهم قد تمسكوا به في مواضع عديدة وعن الثّاني بأن جماعة صرّحوا بأن الفاء الجزائية للفور ولأن فأتوا عامل في إذا ظرف والعامل فيها جوابها كما عن البصريين فصار التقدير فأتوا بما أمرتكم به وقت أمري إياكم وعن الثّالث بأن القائل بالفصل شاذ فتأمل ومنها أنّه لو لم يكن لجاز التأخير والتالي باطل لأمرين الأول أنّ التّأخير إن جاز إلى غاية معينة في الواقع غير مبنية للمأمور أو غير معينة مطلقا لزم التكليف بما لا يطاق وهو واضح وإن جاز دائما خرج عن كونه واجبا إذ ما يجوز تركه دائما لا يجب فعله وإن كان إلى غاية معينة مبينة وجب معرفة البيان وليس في اللفظ ما يشعر بتعيين الوقت ولا عليه دليل من الخارج الثاني أن جوازه إن كان مشروطا بالإتيان ببدل يقوم مقامه وهو العزم على رأي من شرطه فيلزم سقوطه لأن البدل يقوم مقام المبدل فيخرج الواجب عن كونه واجبا إذ لا معنى لغير الواجب إلَّا ما جاز تركه وإن لم يكن مشروطا به لزم خروج الواجب عن كونه واجبا إذ لا معنى لغير الواجب إلَّا ما جاز تركه بلا بدل وفي كلا الوجهين نظر أمّا الأول فلوجوه أمّا أولا فلانتقاضه بما لو صرّح بالتأخير كأن يقول افعل أيّ وقت شئت فإنه ممكن بلا خلاف كما في المعالم وغيره بل واقع كقضاء الواجب من الصّلوات على قول والنّذر وسائر الواجبات الموسعة وأمّا ثانيا فبالمنع من لزوم التكليف بما لا يطاق إن لم تكن الغاية معيّنة وإنما يلزم لو كان التأخير واجبا إذ يجب حينئذ تعريف الوقت الَّذي يؤخر إليه وأمّا إذا كان جائزا فلا لتمكنه من الامتثال بالمبادرة فلا يلزم ذلك كذا قاله جماعة كصاحب المعالم والحاجبي والعضدي كما عن المراغي وأمّا ثالثا فلأنه يجوز له التأخير إلى غاية يغلب معها الظن بالتّلف لو لم يفعل كعلوّ السّن والمرض الشديد قال صاحب غاية البادي ويجوز أن يكون تلك الغاية قول المنجم لأنه وإن لم يفد العلم لكنه لم يقصر عن إفادة الظنّ وأورد عليه بأن غلبة الظنّ إن كانت لأمارة فيمنع من أمارة يقتضي ذلك وأمّا ما قلتم فمضطرب إذ كم من شاب يموت فجئة وكم من شيخ يعيش مدّة فلا عبرة به لاستلزامه عدم تحقق الوجوب في حق من مات فجئة وهو باطل وإن لم يكن لأمارة فيجري مجرى الظن السّوداوي ولا عبرة به وقد يقال إن منع حصول الأمارة مما لا وجه له وليست منحصرة فيما ذكر بل قد يحصل بغيره أيضا وقد يجاب بأنه إن أريد حصولها في الجملة فمسلم ولكن لا يجدي كما لا يخفى وإن أريد حصولها دائما فممنوع فإن من يموت فجئة لا يغلب عليه الظن أصلا وإن غلب فهي في ساعة لم يتمكن فيها من الإتيان بالمأمور به فتأمل وأمّا الثاني فللمنع من اللازم على التقديرين ومنها إجماع أهل العربية على كونه للحال دون الاستقبال إذ ظاهر أن المراد دلالته على ذلك وفيه نظر لاحتمال أن يكون مرادهم بكونه للحال أنّه يدل على أن نفس الطلب تحقق في حال النطق وهذا لا يستلزم فورية الإتيان بالمأمور به سلمنا ولكنه موهون بمصير معظم الأصوليين إلى أنّه ليس للفور مضافا إلى الأدلَّة الدّالَّة عليه وللقول الثالث أن الأمر أنما يقتضي كون المأمور به في وقت وليس للفظه دلالة على تعيين الأوقات وليس بعضها بأن يوجب إيقاعه فيه بأولى من بعض فينبغي أن يكون مخيّرا لأنّه لو أراد إيقاعه في بعضها لبيّنه فمتى لم يبيّنه دلّ على أنّه مخيّر في ذلك كله وأجيب عنه بأنّه لو أراد تخييرا في الأوقات كلَّها وأنها متساوية لبيّنه ولكنّه لم يبيّنه فمن أين القطع بالتخيير إذا لم يبين ولا يخفى ضعفه والتحقيق أنّ المستدلّ إن أراد إثبات دلالة اللفظ على التّراخي تضمّنا بهذا الدّليل فلا ينهض له وإن أراد ما يقوله أهل الماهيّة فصحيح ثم إني إلى الآن لم أعثر على حجّة للقول بوجوب التراخي وللقول الرابع وجهان أحدهما أن اللفظ استعمل في الفور والتراخي والأصل فيه الحقيقة وفيه نظر وثانيهما حسن الاستفهام عنهما والأصل فيه الاشتراك وفيه نظر مفتاح إذا أتى المكلَّف بالمأمور به على الوجه المعتبر